ابن عجيبة
572
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كرره ثالثا ؛ للدلالة على كونه غنيا حميدا ، فإن جميع المخلوقات تدل بحاجتها على غناه ، وبما أفاض عليها من الوجود ، وأنواع الخصائص والكمالات على كونه حميدا . قاله البيضاوي . وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي : حافظا ومجيرا لمن تعلق به من أهل السماوات والأرض . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إن لم تتقوه ، ويأت بقوم آخرين ، هم أطوع منكم وأتقى ، وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً أي : بليغ القدرة لا يعجزه مراد . قال البيضاوي : وهذا - أي قوله : ( إن يشأ يذهبكم . . ) - أيضا تقرير لغناه وقدرته ، وتهديد لمن كفر وخالف أمره ، وقيل : هو خطاب لمن خالف الرسول صلّى اللّه عليه وسلم من العرب ، وهو معنى قوله : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ لما روى : أنّها لما نزلت ضرب رسول صلّى اللّه عليه وسلم يده على ظهر سلمان وقال : « إنّهم قوم هذا » . الإشارة : التقوى أساس الطريق ومنهاج أهل التحقيق ، عليها سلك السائرون ، وبها وصل الواصلون ، قد وصّى بها الحق تعالى المتقدمين والمتأخرين ، وبها قرّب المقربين وشرّف المكرمين . ولها خمس درجات : أن يتقى العبد الكفر ؛ وذلك بمقام الإسلام ، وأن يتقى المعاصي والمحرمات ؛ وهو : مقام التوبة ، وأن يتقى الشبهات ؛ وهو مقام الورع ، وأن يتق المباحات ، وهو مقام الزهد ، وأن يتقى شهود السّوى والحس ؛ وهو مقام المشاهدة . ولها فضائل مستنبطة من القرآن ، وهي خمس عشرة : الهداية ؛ لقوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ، والنصرة ؛ لقوله : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ، والولاية ؛ لقوله : وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ والمحبة ؛ لقوله : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ، وتنوير القلب ؛ لقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ، والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب ، لقوله : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ، وتيسير الأمور ؛ لقوله : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً وغفران الذنوب وإعظام الأجر ؛ لقوله : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ، وتقبل الأعمال ؛ لقوله : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ والفلاح ؛ لقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * والبشرى ؛ لقوله : لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ، ودخول الجنة ؛ لقوله : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ، والنجاة من النار ؛ لقوله : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا . ه . من ابن جزى .